عندما مر القطار

تمر الحكايات كما يمر القطار، سريعة، قاسية، حاملة معها صرخات وأحلاماً ممزقة على القضبان. يروي هذا الكتاب سيرة ذاتية لمعلم مصري، لم يكتبها عن بعد، بل عاشها جلده وشعر بها في كل خلية من كيانه. ينطلق من طفولة في أزقة الجيزة القديمة، حيث القطار لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل شريكاً في تشكيل وعي طفل رأى الموت مراراً أمام عينيه، ورأى الدماء تغسل الأحلام قبل أن تكتمل. ثم ينتقل إلى سنوات التكوين، إلى معاهد الدروس الخصوصية حيث كان الأطفال يجلسون على الحصير يرددون دون فهم، وإلى المدرسة الثانوية حيث تتشكل الهوية بين خشونة الناظر ورقة الأستاذ. وفي منتصف العمر، حين يبدو أن الحياة قد استقرت، يقرر الهجرة إلى الكويت، بحثاً عن لقمة العيش التي يبدو أنها تهرب من أيادي المعلمين في مصر. لكن الغربة لم تكن أسهل، بل كانت حكاية أخرى من حكايات القطار، تتخللها المواقف الطريفة والمآسي الإنسانية، وتحمل القارئ في رحلة لا تخلو من ألم، لكنها في النهاية تترك في النفس شيئاً من الدفء الذي لا يوفره إلا الصدق. عندما مر القطار
... مشاهدة
ar https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEi3n2WnLcUm0gSP_NEHjCYPS_cEqWvc3LdeQBZUDPpXWJhvS4Zt7YTIcLQgSAgQXRcq4ygHUb1v7YBwOLa7wO3zGE0DogjYwwlk4DxToAEEfpVHPf-KgKXAm4k40cN6xBGLlyRbe_qwy9_IaamMhyt7RAyL3qrZLxfvU4SNzJWJr8KVSljf7wItA3JT5wc/s320/733.jpg

تمر الحكايات كما يمر القطار، سريعة، قاسية، حاملة معها صرخات وأحلاماً ممزقة على القضبان. يروي هذا الكتاب سيرة ذاتية لمعلم مصري، لم يكتبها عن بعد، بل عاشها جلده وشعر بها في كل خلية من كيانه. ينطلق من طفولة في أزقة الجيزة القديمة، حيث القطار لم يكن مجرد وسيلة نقل، بل شريكاً في تشكيل وعي طفل رأى الموت مراراً أمام عينيه، ورأى الدماء تغسل الأحلام قبل أن تكتمل. ثم ينتقل إلى سنوات التكوين، إلى معاهد الدروس الخصوصية حيث كان الأطفال يجلسون على الحصير يرددون دون فهم، وإلى المدرسة الثانوية حيث تتشكل الهوية بين خشونة الناظر ورقة الأستاذ. وفي منتصف العمر، حين يبدو أن الحياة قد استقرت، يقرر الهجرة إلى الكويت، بحثاً عن لقمة العيش التي يبدو أنها تهرب من أيادي المعلمين في مصر. لكن الغربة لم تكن أسهل، بل كانت حكاية أخرى من حكايات القطار، تتخللها المواقف الطريفة والمآسي الإنسانية، وتحمل القارئ في رحلة لا تخلو من ألم، لكنها في النهاية تترك في النفس شيئاً من الدفء الذي لا يوفره إلا الصدق.

عندما مر القطار مذكرات 733 124 مايو 2023 yes 201091985809 مُعتز رمضان كاتب مصري https://blogger.googleusercontent.com/img/b/R29vZ2xl/AVvXsEjMM3JoaDWGMXqlEpSQhsrHFB9phX8xYbCyBJsseGjSmddd5WgRO-EA9TTqBh5ASct45Ud3Sl-_MLgz_F4AslvuKJwQD9d0zeaNBZ1VkzfqHlQ4MDktPY_2OZ5pX3hn3U0E5iL8KnrRxBzCRkqzorbJz2whYvpFkcOr7ukagKVFQnppN2Bqzr4K2cw9Lqw/s295/%D9%85%D9%8F%D8%B9%D8%AA%D8%B2-%D8%B1%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%86.jpg

"عندما مر القطار" لمعتز رمضان ليس مجرد سيرة ذاتية، بل وثيقة إنسانية تلتقط تفاصيل الحياة المصرية في نصف قرن مضى، من زاوية رجل نشأ في حي شعبي بالجيزة، وعاش تحولات اجتماعية وسياسية هائلة. يبدأ الكتاب بطفولة الكاتب في شارع محجوب، حيث كان القطار حاضراً بكل قسوته، ليس فقط كصوت مفزع يعبر النفق، بل كقدر يحصد الأرواح أمام عينيه. تلك المشاهد المؤلمة، كفتاة صغيرة ذبحها القطار في طريقها إلى المدرسة، ستظل عالقة في ذهنه وتشكل وعيه بالحياة والموت. غير أن الطفولة لم تكن كلها مأساة، بل كانت أيضاً أوقات لهو في "عزبة الورد"، وصيد الأسماك من ترعة الزمر، ومطاردة خفراء الزراعة لسرقة البلح الأحمر من نخيل الوزارة. ومن هنا، ينسج الكاتب لوحة حية عن مصر السبعينية والثمانينية، حيث كان الأطفال يكتشفون العالم بأيديهم لا بشاشاتهم.

ينتقل الكتاب إلى مرحلة التعليم، حيث يبرز دور المعلمين الاستثنائيين في تشكيل وعي الكاتب، أمثال الأستاذ عمارة في معهد القرش الذي كان يخرق خرزانته فيمن يخطئ، والأستاذ نشأت في الثانوية الذي جعله يعشق اللغة العربية وآدابها. لكن التعليم الرسمي لم يكن وحده، بل كانت الدروس الخصوصية في معهد القرش جزءاً لا يتجزأ من المنظومة، حيث كان التلاميذ يجلسون على الحصير في شقة متواضعة، وقد حولوها إلى فصل دراسي غير رسمي. كما يسجل الكتاب مشاهد من الحياة اليومية في الجيزة، كالباعة الجائلين، عم محمد بائع الآيس كريم، وأبو سمير الإسكافي، وخميس بائع التين الشوكي، الذين شكلوا نسيجاً اجتماعياً يوشك أن يندثر. ثم تأتي مفارقات التجنيد، حيث يجد الخريج الجامعي نفسه في صحراء دهشور، بين جنود من خلفيات مختلفة، وفي مواجهة آلة عسكرية لا تعرف الرفق ولا ترحم.

يأخذنا الجزء الثاني من الكتاب إلى حياة المعلم بعد التخرج، في رحلة مهنية شاقة بدأت في منشأة دهشور النائية، ثم البدرشين، ثم مزغونة، قبل أن تستقر به في مدرسة السعيدية العريقة بالجيزة. هنا، يرسم الكاتب صورة نادرة لجيل من المعلمين الأفذاذ الذين كانوا يعلمون بحب لا بمال، أمثال الحاج زينهم سُبَل، رئيس قسم اللغة العربية، الذي كان ينهل منه المعلمون ما لم يتعلموه في الجامعة. غير أن هذه الصورة المثالية لا تخلو من مرارة، فالمعلم في مصر كان يعاني من ضعف الأجر وهوان المكانة الاجتماعية، مما جعله يفكر في الهجرة. وفي السعيدية، عاش الكاتب لحظات تأبينية حين توفي رئيس القسم، فشعر بفراغ كبير لم يسده أحد، كما عاش فصولاً من حياته العائلية، كزواجه وإنجابه لأبنائه، وحضور جنازة أمه التي كانت بالنسبة له أغلى إنسان.

القسم الثالث يحكي حياة الكاتب في الكويت، حيث هاجر معلماً بحثاً عن رزق أفضل. هناك، واجه الغربة بكل تناقضاتها، بدءاً من السكن في شقة مع زملائه "الشراقوه" في منطقة خيطان، مروراً بالدراسة المعمقة للمجتمع الكويتي، وانتهاءً بتجربة الحج التي كانت محطة روحية لا تُنسى. غير أن الكتاب لا يغفل الجوانب الصعبة، كالتمييز الطبقي بين الوافدين، وقرارات وزارة التربية المفاجئة كخصم بدل السكن، وجائحة كورونا التي جعلته عالقاً بين مصر والكويت. كما يتناول الكتاب رحلة فكرية للكاتب، حيث مر بمراحل شك وإلحاد لأحد أصدقائه، ثم اقترب من التصوف، ثم صار يرفض أي تصنيف فكري أو عقائدي، مؤكداً على هويته كمسلم متسامح يعشق الجمال والحرية والأدب. وفي خضم كل ذلك، تظل الكتابة والنشاط الأدبي في الصالونات الثقافية الكويتية ملاذه، وتبقى الذكريات المصرية رفيقته في الغربة.